• ×

08:40 صباحًا , الثلاثاء 24 أكتوبر 2017

- آخر تحديث 10-23-2017

اغتيال الرسم

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الرسم أيضًا نضال كالسلاح والقلم والصوت ومصيره القتل أو الإخفاء القسري كغيره من أدوات النضال الأخرى لذلك لا عجب من اغتيال صاحبه، ولكن الرسمة تبقى والكلمة تبقى... الرسام يستشهد والكاتب يستشهد والفكرة باقية لا تموت ولا يصح أن تموت لأنها ملك لنا وليس لأحد أن يمسها أو يقمعها، هو يقمعنا لكن لا يقمعها.
هنا أتذكر رسامي الكاريكاتير في عالمنا العربي، هذا الفن السهل البسيط، الذي يدخل للعقول فينيرها وللقلوب فيوقظها... له رواده في العالم العربي منهم من اعتلى وآخرون باقون للحق. ولا يمكنني أن أتجاوز في هذا المقام ذكر رسام الكاريكاتير الشهيد ناجي العلي -رحمه الله- الذي تسبق رسوماته اسمه بل حتى أن شخصية رئيسية وهي بمثابة التوقيع له أصبحت رمزا للنضال وللحرية والحق... "حنظلة" هذا الفتى المستدير والذي لا نرى منه سوى ظهره، أصبحنا نرى حنظلة في كل مكان على المواقع في شبكة الإنترنت وعلى جدران الشوارع وفي السيارات والملابس، حنظلة أصبح جزء من قضية الحق الفلسطينية لذلك هو لم يم بموت صاحبه، وفي الحقيقة يمكننا أن نقول بأن ناجي العلي لم يمت بوجود حنظلة، وحنظلة لم يمت بدون ناجي. القاتل نجح في الاغتيال ولكنه -كما هو متوقع- فشل في إيقاف هذا المد الجارف لرسومات ناجي، علما بأن أعمال ناجي العلي لم تنشر كلها والذي نشر أقل بكثير مما ينشر ومن المتوقع أيضا أن هناك مصالح لأشخاص كثر في عدم نشر الرسومات وتصب هذه المصالح في صالح شخصيات عربية وإسرائيلية ولا عجب من هذا التناقض فلقد أصبح ظاهرا للعيان أن الحق الفلسطيني أمامه عقبتان: العربية والإسرائيلية، ولهذا اغتيل ناجي ولذلك لم يحدد انتماء القاتل الحقيقي على الرغم من أن عملية اغتيال كهذه يجب أن توجه فيها أصابع الاتهام لجهاز الموساد أولا وأخيرا... ولكن العرب يدهشوننا في كل زمان ومكان.
ذهاب ناجي أراح الكثير من المسؤولين العرب متوهمين بأننا بدونه لن نقوى على نشر الحقائق وأنه عند موته سيقضى على كل الشكوك، يريدون أن يثبتوا للعالم أنهم قادرون على استعادة فلسطين بدون ناجي وأن أعماله لم تقدم ولم تؤخر... ولكن التاريخ لا يكذب ولا ينسى، فناجي لم يطالب بفلسطين على أجزاء مقسمة بل نادى بها كلها. لأن الحق الذي لايتفوه به كثير من الناس أعلنه ناجي في رسوماته. ولأن المبادئ ثابتة ولأن الحق لا يتغير ولأن العملاء كثر اغتيل ناجي العلي.
لم يكن ناجي قوي في رسوماته وضعيف على الواقع بل هو على الرغم من الرفض الشديد الذي يتعرض له من عدة أطراف وإيمانه التام بأن أعماله لا تعجب من بيدهم القرار إلا أنه كان يخرج ويمشي في الشارع بشكل مدني وبدون حراس. تقول زوجته بأنها طلبت منه أن يخفف عدد السجائر في اليوم ولكنه أجابها بأن لن يموت من التدخين! لو عرفت ناجي في السابق لما استبعدت فكرة اغتياله ولكن الذي لن اتوقعه هو اختلاف العرب عليه حتى بعد موته فلا حرمة للموت عندهم. قد يتساءل شخص إذا لم تجمعنا رسومات ناجي فماذا يجمعنا وإذا لم يوحدنا اغتياله فأي اغتيال سيوحدنا؟! ولكن لا جواب، فالفتن تجذرت في الأراضي العربية وهي صعبة الاقتلاع، أصبحنا في وضع صعب حتى الحق لم ينقذنا بل هو يفرقنا أكثر وأنا -بالطبع- لا ألوم الحقيقة ولا الذين ينادون بها ولكن نتائج الجهل والفقر والضعف بدأت بالظهور علانية كاشفة عن أبشع صورة من صورها.

قد يكون ناجي -رحمه الله- إحدى ضحايا العملاء العرب لجهاز الموساد أو إحدى ضحايا الاختلافات العربية-العربية ولكنه ليس الأخير بالطبع ولن يكون الأخير كما يظهر لنا الواقع وكما أصبحنا نرى بشكل متكرر الاغتيالات الكثيرة لشخصيات سياسية قد لا تكون حتى على صواب والطرف الآخر المتهم بالاغتيال ليس على حق أيضا ولكن هذه هي الفتنة التي تضعفنا فوق ضعفنا، وتفرقنا فوق فرقتنا... وكأن فتن العالم كلها اتفقت أن تلتقي بالبقعة العربية وأن تستفحل فيها لعقود وعقود، لا نعلم متى تذهب ولا نعلم من سيساعد على ذهابها وزوالها... ولكننا لن نستسلم سنحافظ على الحقيقة وسنعلنها للجميع بكل الوسائل حتى لو استغرق هذا الأمر العمر بكامله. لن نستسلم إلى أن يظهر الحق، وسيكون ناجي العلي رمز من رموز هذا البقاء والإصرار إلى أن نصل، وبعد الوصول لن ننساه.

بقلم : ليلى بنت محمد العمودي

بواسطة : ليلى العمودي
 0  0  78
التعليقات ( 0 )